» انفصال سعيد!
انفصال سعيد!

انفصال سعيد!

نموذج ثلاثي الأبعاد، جراحة على مدار 27 ساعة، أطباء من مختلف الفروع وجيش من المهنيين الصحيين

التوأم السيامي إليزابيث وماري، فتحتا أعينهما على العالم في الكاميرون في يوليو 2020، كانتا ملتصقتان من من منطقة الحوض. تشترك الرضيعتان عدة أعضاء داخلية وأنسجة حسّاسة من الحبل الشوكي والعمود الفقري، ومن المسالك البولية، والرحم، والجهاز الهضمي، والأعضاء التناسلية والأوعية الدموية… بعد إجراء تحليلات مكثفة، تقرّر سفر التوأم الملتصق إلى مستشفى أجيبادم بإسطنبول في تركيا من عندما أتمّتا 9 أشهر. بمشاركة فرقة كبيرة من الأطباء والمهنيين الصحيين من العديد من الفروع الطبية، وبعد تخطيط دام 7 أشهر، تم إجراء جراحة الفصل في غضون 27 ساعة، وقد تكلّلت بالنجاح. فمنذ شهر أيلول 2021، تتمتع إليزابيث وماري بحياتهما كطفلتين مستقلتين جسديا، وتستعدّان للعودة إلى الكامرون مع أبويهما في الأيام القليلة القادمة.

تزوجت كارولين من ريتشارد أكوي قبل ثلاث سنوات، وكانا ينتظران بفارغ الصبر استقبال مولودهما الأول عندما تبيّن أن الأمّ تحمل توأما في بطنها. فرح الأبوان بالخبر وصارت كارولين أكوي، 26 عاما، تقوم بفحوصات منتظمة حيث كان يبدو كلّ شيء على ما يرام إلى أن قامت بإجراء فحص السّتة أشهر، إذ لاحظ طبيبها وجود مشكل لدى الجنينين، كانا يشتركان عدّة أعضاء وأنسجة على مستوى الحوض. أصبحت الحالة خطرة وحظيت الأم يتتبع طبيّ خاص إلى أن حل تاريخ الولادة القيصرية يوم 6 يوليوز 2020. كان الأطباء على حقّ، فالطفلتين ملتصقتين ببعضهما البعض. تسلّمت الأم التوأم السيامي بتردد في حضنها. بدا الأمر كما لو أن الكلمات قد انتهت، كانت عيناها تعبر عن دهشتها. ومع ذلك، سعدت جدّا لأن كلا الرضيعتين كانتا على قيد الحياة وبصحّة جيدة.

يقول الأب ريتشارد أكوي البالغ من العمر 28 سنة: “كنا نشعر بحزن شديد لأن طفلتينا لم تستطيعا الحركة بحرية. كانتا تبكيان لأنّ زوجتي لا تستطيع إرضاعهما في نفس الوقت. بناتنا هدية من الله، كرّسنا أنفسنا لرعايتهما بأفضل طريقة ممكنة ولم نفقد الأمل أبدا في إمكانية فصلهما مع الحفاظ عليهما بصحة جيدة. لكن وللأسف لا تتوفّر دولتنا على التجهيزات الطبية والتقنية لفصل توأم سيامي. وتوجّب علينا اللجوء للخارج، غير أن ظروفي كانت صعبة للغاية، إذ تمّ إيقافي عن العمل بسبب جائحة كوفيد -19، الذي أثر بشدة على الكاميرون والعالم بأسره”.

في أسابيع قليلة إنبعث الأكل فينا من جديد، تمّ إخبارنا أنّ رئاسة دولة الكاميرون سمعت بالحالة وقرّرت تولي جميع مصاريف عملية فصل التوأم في الخارج. قامت وزارة الصحة الكاميرونية بالتواصل مع عدة مستشفيات أجنبية لطرح حالة التوأم، وكان الرّد الإيجابي من مجموعة مستشفيات أجيبادم التركية. قام المجلس الإستشاري للأطباء مجموعة أجيبادم بتقديم برنامج مُفصّل للعملية والعلاج الذي سيليها، وفي 30 مارس 2021، تم إحضار التوأم السيامي إلى مستشفى أجيبادم ألتونيزادة بإسطنبول. بريادة كل من أخصائي جراحة الأطفال البروفيسور بوراك تاندر، وأخصائي جراحة الدماغ والأعصاب للأطفال البروفيسور ميميت أوزيك، وأخصائي الجراحة التجميلية والترميمية البروفيسور حاكان آغير، وأخصائية التخدير مساعدة البروفيسور سيربيل أوستالار أوزجين، وأخصائي العناية المركزة للأطفال البروفيسور أجوب شيتاك، قام ما يزيد عن سبعين أخصّائي وعامل طبي بالإعداد لعملية فصل التوأم الملتصق خلال مدّة بلغت السبعة أشهر.

صنع نموذج ثلاثي الأبعاد

تمسّك الأطباء بهدف وحيد، فصل التوأم مع الحفاظ على حياة الطفلتين. فلاطالما صنّف الطب هذه العمليات بالخطرة، ولسنوات عديدة تطلبت عمليات الفصل التضحية بأحد الأطفال. في حين كانت الفرق الطبية تقوم بالتحاليل اللازمة، صنع أخصائيو مركز التصميم الحيوي لجامعة أجيبادم للعلوم الصحية نماذج ثلاثية الأبعاد للتوائم قصد أن يتدرب عليها الفريق الطبي، ويحصل كل إختصاص على نموذج بمقاطع تُبيّن بدقة مؤاقع إلتحام الجسدين. وكان لهذه النماذج دور كبير في نجاح جراحة الفصل. 

جراحة دامت 27 ساعة!

حل اليوم الحاسم في حياة التوأم بتاريخ 12 أغسطس 2021. تم تجهيز الطفلتان وإدخالهما إلى غرفة العمليات الهجينة لمستشفى أجيبادم ألتونيزادة. وُضعتا على على طاولة العمليات من أجل فصل أجسميهما وبدأت الجراحة في تمام الساعة 8:00 صباحا واستغرقت 27 ساعة توالت خلالها فرق طبية من عدّة إختصاصات. بعد هذه العملية الحرجة، تم نقل إليزابيث وماري بشكل منفصل لأول مرة في حياتهما إلى وحدة العناية المركزة في 13 من أغسطس 2021 حيث واصل الأطباء تلقينهما العلاجات المبرمجة. إستيقظت إليزابيث مساء اليوم الثاني في وحدة العناية المركزة وإفتقدت شقيقتها. عندما استوعبت غيابها بكت إلى أن أخذها الأطباء إلى سرير أختها النائمة. وضعت إليزابيث يدها على صدر ماري كما إعتادت أن تفعل قبل العملية ونامتا معا اليل بكامله. في ثالث يوم، إستيقذت ماري أولا ثم لحقتها إليزابيث، كانتا بصحة جيدة ولم تبدوان منزعجتان من وضعهما الجديد. حتى ذلك اليوم، لم يكن في إتسطاعتهما النظر لبعضهما وجها لوجه. ساعد الأبوان التوأم في الجلوس متقابلتين. في البداية، دُهشت الطفلتان من انفصال جسديهما، لكنهما سعِدتا بإمكانية اللعب سويا وجها لوجه. ومع مرور الأيام، إستطاعتا التعوّد على إنفصالها جسديا. كانتا تعكسان سعادتهما من أعينهم المشرقة بالصحّة والسعادة.

مراحل جراحة الفصل

أخصائي جراحة الدماغ والأعصاب للأطفال، البروفيسور ميميت أوزيك وفريقه كانوا أول من بدأ الجراحة: “بصفتنا فريق جراحة الدماغ والأعصاب، بدأنا جراحة الفصل أولا. بدأنا بفصل النخاع الشوكي والحويصلات والحبال الشوكية وعظام الحوض المشتركة، وأكملنا الإجراءات الجراحية المتعلقة بمجالنا. أتذكّر أن وضع التوأم على طاولة العمليات كان أمرا غاية في التعقيد لوحده. نقطة إلتحام جسدي الرضيعتين لا تسمح لتثبيتهما في وضع مثالي لجراحة العمود الفقري. ولأول مرة في أربعين سنة من التجربة، قمتُ بجراحة الحبل الشوكي بينما المريض مستلقٍ على الجانب. نحن سعداء جدا بنجاح العملية، فلم تفقد أي طفلة قدراتها العصبية، ولأول مرة في حياتهما، خطيتا خطواتهما الأولى في مستشفى أجيبادم. أودّ أن أُشيد بمجهودات فريق العلاج الطبيعي الذي عمل مع الطفلتين ما يتعدّى ستة ساعات في اليوم طيلة الأسابيع الماضية ليُكسبهما القدرة على الجلوس، والحركة والمشي.” 

ويضيف البروفيسور بوراك تاندير، أخصّائي جراحة الأطفال: “يشترك التوأم المسالك البولية والمستقيم والشرج وبعض الأوردة الحسّاسة. وجميع عضلات أسفل البطن والظهر كانت مشتركة. كان هدفنا من البداية هو تقسيم كل الأنسجة بالنصف بيت الطفلتين لتكتسب كل واحدة الخصائص الحياتية وتحظيان معا بفرص الإنجاب في المستقبل. إحدى الرضيعتين لم يكن لديها مهبل، والأخرى تعاني من مشاكل في المستقيم، والإثنتين تشتركان رحما واحدا. أثناء الجراحة، تم فتح مساحة لإنشاء المهبل في المستقبل للأولى، وقُمنا بقفل مستقيم الثانية. قبل العملية، كان كل من الجهاز الهضمي، والجهاز التناسلي، والأوعية الدموية والجهاز العصبي مشتركة بين الطفلتين. قام الفريق بأكمله بالعمل على النموذج ثلاثي الأبعاد الذي أعددناه في الجامعة لتكون عملية الفصل مثالية. بعد العملية، شاهدت ماري إليزابيث أمامها على سرير آخر، فإبتسمت. لقد كانت لحظة لن تُنسى بالنسبة للفريق الطبّي عندما رأيتا بعضهما البعض لأول مرة وجها لوجه”.

وبدوره قال أخصائي الجراحة التجميلية والترميمية البروفيسور حاكان آغير: “قُمت وفريقي بحساب حجم الجلد اللازم لتغطية جروح الفصل مباشرة بعد قدوم التوأم لمستشفى أجيبادم. في حين كان زملائي يعملون على النموذج ثلاثي الأبعاد لتحديد خطوط الفصل الممكنة، قُمنا نحن بتثبيت أكياس تحت جلد الرضيعتين وملئها يوما بعد يوم لتحقيق تمدّد الجلد وبالتالي الحصول على كمية كافية من الأنسجة لتغطية موقع الفصل يوم العملية. شكّلت هذه العملية المرحلة التحضيرية الأولى لجراحة الفصل. في المرحلة الثانية، وبعد إنسحاب فرق البروفيسور ميميت أوزيك والبروفيسور بوراك تاندير من غرفة العمليات، أخذنا على عاتقنا مهمة إغلاق نقط الجراحة بطريقة ترميمية تترك أقل عدد من الندب على جسدي ماري وإليزابيث. بعد الجراحة، سهرنا على توفير الظروف اللازمة لإلتئام الجروح بسرعة، وساعدنا في ذلك أعضاء فريق العناية المركزة وفريق الأمراض المعدية وفريق الرعاية التمريضية الأكفاء، وأنا أشكرهم على مجهوداتهم”.

 أخصائية التخدير، مساعدة البروفيسور الدكتورة سربيل أوستالار أوزجين وضحت قائلة: “كان واجبنا كفريق التخدير السهر على تنويم التوأم وإيقاظهما بالطريقة الأكثر أمانا حفاظا على صحتيهما، ومن أجل توفير الظروف الأفضل لتسهيل عمل الجراحين أثناء العملية. بدأنا العملية بتجهيز جميع المعدات بِلَونَين مختلفين، وقمنا بترميز الأدوية والآلات وحتى الأسرة بالألوان لتفادي أي خلط. انقسم فريقي إلى مجموعة إليزابيث ومجموعة ماري وقاموا بالتناوب على رعاية التوأم على مدى 27 ساعة التي إستغرقتها عملية الفصل. لأن الجميع عملوا بطريقة احترافية للغاية، وباستخدام كل الإمكانيات التكنولوجية، وركزوا على عملهم بتفانٍ، نستطيع أن نقول اليوم أن حالة الأطفال جيدّة للغاية. كلتاهما إعتادت على جسدها وتنموان معا بسرعة وسعادة. أنا سعيدة لمشاركتي هذا الفريق الذي يتميز فيه كل فرد بالتفاني والإجتهاد، رؤية ماري وإليزابث تغنيان وترقصان بفرح مع أمّهما، صورة ستظل في ذهننا جميعا إلى الأبد، لا أستطيع ان أصف لكن إفتخاري بالمساهمتي في تحقيق هذه النتيجة”.

ويُلخص أخصائي العناية المركزة للأطفال البروفيسور أجوب شيتاك مرحلة تعافي التوأم من عملية الفصل المعقدة داخل وحدة العناية المركزة على النحو التالي: “كانت عملية فصل التوائم عن طريق الجراحة عملية طويلة ومعقدة للغاية. طول مدّة العملية الجراحية يستدعى رعاية مكثّفة بعد العملية ومتابعة عن قرب لجميع المعطيات الحيوية للمرضى. تدارست مع فريقي جميع إحتمالات المشاكل التي قد يواجهها التوأم بعد الفصل، وأعددنا وفقا لذلك جميع الإحتياجات من الأدوية، ووحدات الدم، والمعدات وأسرة العناية المركزة، وتوالت الممرضات للعناية بماري وإليزابيث لعدّة أسابيع. تمت متابعة جميع العلامات الحيوية للتوأم المنفصل من قبل الأطباء الذين أشرفوا على العملية يوميا عبر شاشات مرتبطة بكاميرات غرفة العناية المركزة. كنا حريصين على تجنّب العدوى بدقة شديدة حيث يمكن تضعف الجراحة المطولة الجهاز المناعي وترفع من خطر الإصابة بالعدوى. بعد عدّة أيام إستعادت خلالها الطفلتين صحّتهما بسرعة، تم إيقاظهما وفصلهما عن أجهزة التنفس الصناعي. ظلت ماري وإليزابيث في وحدة العناية المركزة للأطفال لبضعة أيام أخرى قصد المتابعة، ثم قمنا بنقلهما إلى غرفة خاصة مع أسرتهما بعد التأكد من إستعادة مناعتهما تماما”.

تم فصل إليزابيث وماري بنجاح بعد عملية جراحية دامت 27 ساعة. إنها قصة انفصال سعيد تمكّنت من خلاله الطفلتان من الحصول على الإستقلال الذاتي وحرية الحركة. مجموعة أجيبادم للرعاية الصحية تتمنى لهما حياة سعيدة.

العلاجات

التقنيات التكنولوجية

ACIBADEM

×
ابحث عن أي شيء تريده ...